الشيخ محمد الصادقي

216

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

وليس به ، فلا ريب أن العدل أقرب للتقوى ، والتقوى سجية عاقلة عادلة لا ينكرها أحد . أم إن « أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » تختص بحق الشهادة بحق الشائنين بالمؤمنين وعليهم منهم شنآن ، فمهما خيِّل إلى المؤمن أن الشهادة بغير حق في حقهم قريب للتقوى نقمة منهم ، ولكن « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » . فسنة العدالة كأصل في الحياة تقي الإنسان العادل عما لا يصلح أو هو فاسد ، والاعتداء بالمثل في مجالاته المسموحة هو من العدل ، فالعدل - إذاً - طليق يحلق إسلامياً على كافة المجالات والجلوات دونما استثناء . ووجه ثالث هو أتم وأعم وأوجه أن « لِلتَّقْوى » هي الوقاية عن الشر والضر ، ففي ظرف الشنآن « اعْدِلُوا » في الشهادة « اعْدِلُوا » في الاعتداء بالمثل ، فهو أقرب للتقوى عن الاعتداء والشنآن حيث يقي العدل - لأقل تقدير - عن مزيد الاعتداء والشنآن ، أم وينقصهما أو يزيلهما ف « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » . ثم في سائر الظروف فالعدل ناجح على أية حال ، فإنه يقي العادل عن كثير من الشر والضر ، ولكن الظلم - رغم ما يخيَّل إلى الظالمين - لا يقي عما يرام من بؤس وتطاول ، وحتى إن وقى فهي وقاية ظاهرة ما دامت القوة القاهرة ، فإذا ذهبت أو قلَّت فالإنتقام على الدرب أشد مما ظَلَم . إذاً ف « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » أقرب للوقاية المعنية من خلاف العدل مع عدو أو سواه ، وهنا « لِلتَّقْوى » دون « إلى التقوى » مما يؤيد هذا الوجه ثم : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » على أية حال ، حال وقاية أنفسكم وذويكم وما ترغبون ، وسائر الحال في سائر المجال ، حيث الأصل في الحيوية الإيمانية هو تقوى اللَّه ، لا فقط أن تقوا أنفسكم بمختلف المحاولات ، ولا بد أن تقوا أنفسكم ناراً أوقدها اللَّه ، لا فقط أضراراً في هذه الحياة الفانية : « قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » فتقوى اللَّه هي الميِّزة البارزة كالأعلام لرعيل الإيمان ، لا تتبدل في مختلف الظروف والملابسات ، أمام الصديق والعدو ، والعادل والظالم ، وأياً كانت واجهتك .